في عصر التيك توك والقصص المجتزأة، نرى الجانب المشرق فقط: صور سيلفي بجانب برج إيفل، أو مقاطع فيديو لسيارات فارهة في شوارع برلين. لكن، ما لا يخبرك به المهربون، وما لا تظهره الكاميرا، هو ما يحدث في اللحظة التي تطأ فيها قدماك الأرض الأوروبية بطريقة غير نظامية.
إذا كنت تفكر في خوض البحر أو الغابات للوصول إلى "الجنة الأوروبية"، فهذا المقال ليس لتخويفك، بل ليضع أمامك خريطة واقعية لما ينتظرك، خطوة بخطوة، بعين الخبير وبقلب إنسان.
1. الصدمة الأولى: الاستقبال ليس بالورود
بمجرد وصولك (سواء عبر القوارب إلى إيطاليا أو اليونان، أو عبر غابات البلقان)، لن تجد استقبالاً حافلاً. الواقع هو أنك ستواجه فوراً حرس الحدود والشرطة.
الاحتجاز الأولي: غالباً ما يتم نقل القادمين الجدد إلى مراكز احتجاز مؤقتة أو مخيمات استقبال مغلقة.
التحقيق والمصادرة: قد يتم تفتيشك بدقة، ومصادرة هاتفك أحياناً للفحص، والتحقيق معك حول هويتك ومسار رحلتك.
2. فخ "بصمة دبلن": الكابوس القانوني
هنا تبدأ أولى العقبات الحقيقية. بموجب اتفاقية دبلن، فإن أول دولة أوروبية تصل إليها وتؤخذ فيها بصماتك هي المسؤولة عن معالجة طلب لجوئك.
ماذا يعني هذا؟ إذا كانت وجهتك ألمانيا، ولكن تم تبصيمك في إيطاليا أو بلغاريا، فإن ألمانيا لها الحق القانوني في إعادتك (ترحيلك) إلى تلك الدولة الأولى.
محاولات التهرب: يحاول الكثيرون حرق أصابعهم أو تجنب الشرطة لسنوات، مما يدخلهم في حياة التشرد والخوف الدائم من الاعتقال.
3. الحياة داخل "الكامب": ليست فندقاً 5 نجوم
بعد الإجراءات الأولية، سيتم فرزك إلى مخيم للاجئين (Camp). الحياة هنا تختلف جذرياً عما تتخيله:
الاكتظاظ: غرف مشتركة مع غرباء من جنسيات وثقافات مختلفة، وانعدام تام للخصوصية.
الروتين القاتل: قد تنتظر أشهراً أو حتى سنوات لمجرد الحصول على مقابلة (Interview) لشرح قضيتك. هذا "الانتظار" هو العدو الأول للصحة النفسية.
المصروف المحدود: ستحصل على مساعدات مالية بسيطة جداً تكفي بالكاد للطعام والأساسيات، وليس لتحقيق الثراء وإرسال الأموال للأهل كما هو متوقع.
4. وهم "العمل بالأسود" والاستغلال
يضطر الكثير من المهاجرين غير الشرعيين للعمل بشكل غير قانوني (بالأسود) لأنهم لا يملكون تصاريح عمل. هنا يقعون فريسة سهلة لمافيا العمل:
أجور متدنية: ستعمل ساعات طويلة جداً مقابل أجر زهيد لا يقبله المواطن الأوروبي.
غياب الحقوق: إذا تعرضت لإصابة عمل أو لم يدفع لك صاحب العمل، لا يمكنك الشكوى للشرطة لأنك ستخاطر بترحيلك.
الخوف الدائم: ستعيش وعينك تترقب الشرطة في كل زاوية، فمجرد تفتيش روتيني قد ينهي رحلتك.
5. السيناريو الأصعب: الرفض والترحيل القسري
أوروبا اليوم ليست أوروبا 2015. القوانين أصبحت أكثر صرامة، ونسب قبول اللجوء لبعض الجنسيات (التي تعتبر بلدانها آمنة) أصبحت شبه معدومة.
إذا تم رفض طلبك، ستواجه خيارين أحلاهما مر:
الطعن والاستئناف: وهي عملية مكلفة وتحتاج لمحامين وقد تستمر لسنوات تعيش فيها "معلقاً".
الترحيل (Deportation): يتم احتجازك وإعادتك قسراً عبر طائرة إلى بلدك الأصلي، وغالباً ما يصاحب ذلك "حظر دخول" لمنطقة الشنغن لمدة تصل إلى 5 سنوات.
الخلاصة: هل تستحق المغامرة؟
الوصول إلى أوروبا غير الشرعي ليس نهاية المطاف، بل هو بداية لمعركة قانونية ونفسية شرسة. النجاح ممكن، لكنه استثناء وليس قاعدة. الثمن لا يدفع فقط بالمال للمهربين، بل يُدفع من سنوات عمرك، وكرامتك، وصحتك النفسية في أروقة الانتظار.
نصيحة أخيرة: قبل أن تبيع ممتلكاتك وتخاطر بحياتك، ابحث عن الطرق القانونية (تأشيرات العمل، الدراسة، التدريب المهني) التي أصبحت العديد من الدول الأوروبية (مثل ألمانيا) تسهلها مؤخراً لسد العجز في اليد العاملة.

اترك تعليقك اذا كان لديك اي اسئلة ؟