في 2026، السؤال لم يعد: ما هي أفضل دولة لطلب اللجوء؟ بل أصبح: أي دولة ما زالت تمنح فرصة واقعية بحسب الجنسية والملف الشخصي، وأي دولة تتجه إلى التشدد أو التسريع في الرفض؟ هذا الفرق مهم جدًا، لأن أوروبا دخلت مرحلة جديدة من تشديد الإجراءات وتوحيد بعض القواعد، مع بدء تطبيق حزمة اللجوء والهجرة الأوروبية في يونيو 2026، إلى جانب توسيع مفاهيم مثل “الدولة الآمنة” و”الدولة الثالثة الآمنة”.
والنقطة التي يجب قولها بصراحة من البداية: لا توجد دولة أوروبية تضمن اللجوء لمجرد الوصول إليها. القرار ما زال يعتمد أولًا على الجنسية، وسبب الخطر، والأدلة، وطريقة الوصول، ووجود بصمات أو طلب سابق في دولة أخرى. لذلك، أي حديث عن “أفضل دولة” يجب أن يكون واقعيًا: بعض الدول تمنح حماية أكثر بالأرقام، وبعضها أسرع في الإجراءات، وبعضها لديه ضغط شديد أو سياسات استقبال أصعب، وبعضها بات أكثر ميلًا لاستخدام مفاهيم “الدولة الآمنة” لتسريع الرفض.
المشهد الأوروبي في 2026: الفرص موجودة، لكن الصعوبة تزداد
رغم أن طلبات اللجوء في دول الاتحاد الأوروبي وما حوله انخفضت في 2025 بنسبة 19% مقارنة بعام 2024، فإن الطلبات ما زالت متركزة بقوة في عدد محدود من الدول. في 2025، استقبلت ألمانيا 163 ألف طلب، وفرنسا 152 ألفًا، وإسبانيا 143 ألفًا، وإيطاليا 134 ألفًا، واليونان 62 ألفًا، وهذه الدول الخمس وحدها استحوذت على 80% من إجمالي الطلبات. هذا يعني أن “الفرص الواقعية” ما زالت تدور غالبًا حول هذه الدول، لكن مع فروق كبيرة جدًا في نوع الملفات التي تنجح داخل كل واحدة منها.
وفي الوقت نفسه، تبنّى الاتحاد الأوروبي في فبراير 2026 أول قائمة أوروبية مشتركة للدول الآمنة، وتشمل: بنغلادش، كولومبيا، مصر، الهند، كوسوفو، المغرب، تونس. كما أصبح مفهوم “الدولة الثالثة الآمنة” أوسع، بما يمنح الدول الأوروبية مرونة أكبر لرفض بعض الطلبات على أساس عدم المقبولية بدل فحص جوهر القضية بالكامل. وستبدأ هذه القواعد مع تطبيق الحزمة الجديدة في 12 يونيو 2026. بالنسبة للعرب، هذا التطور مهم جدًا لأن وجود مصر والمغرب وتونس على القائمة يرفع احتمالات صعوبة اللجوء لمواطني هذه الدول مقارنة بسنوات سابقة.
أين تبدو الفرص الواقعية أكثر في 2026؟
1) ألمانيا: ما زالت قوية بالأرقام، لكن لم تعد “الوجهة الذهبية” كما كانت
ألمانيا ما زالت أكبر دولة استقبالًا لطلبات اللجوء في أوروبا من حيث العدد، كما أنها كانت أيضًا صاحبة أكبر عدد من قرارات منح الحماية في 2024 على مستوى الاتحاد، بواقع 150,500 حالة، أي أكثر من ثلث إجمالي الحمايات الممنوحة تقريبًا. كما أن الألمان ظلوا مركزًا رئيسيًا لطلبات السوريين والأفغان والأتراك بحسب بيانات EUAA. هذا يجعل ألمانيا ما زالت من أهم الدول الواقعية لمن لديهم ملفات قوية، خصوصًا بعض الجنسيات التي تتركز طلباتها هناك.
لكن الصورة ليست وردية بالكامل. فعدد الطلبات في ألمانيا انخفض في 2025 بنحو 31%، كما أن البلد اتجه إلى سياسات أكثر تشددًا في بعض الجوانب، ومن أبرزها تعليق لمّ الشمل لمدة سنتين للمستفيدين من الحماية الفرعية منذ يوليو 2025. لذلك، ألمانيا ما زالت مهمة، لكنها لم تعد تلقائيًا “أفضل خيار” لكل شخص، خاصة لمن يعتمد مستقبلًا على لمّ الشمل أو يتوقع بيئة استقبال سهلة.
الخلاصة عن ألمانيا:
فرصها ما زالت واقعية لمن لديه ملف قوي، خاصة للسوريين وبعض الأفغان، لكنها أصبحت أصعب من ناحية السياسة العامة والتوقعات المستقبلية بعد القرار.
2) فرنسا: فرصة واقعية وهادئة نسبيًا لمن يملك ملفًا مقنعًا
فرنسا برزت في 2025 كواحدة من أكثر الدول ثباتًا في الاستقبال، إذ بقي عدد الطلبات فيها مستقرًا عند 152 ألفًا تقريبًا، وكانت في النصف الأول من 2025 قد تجاوزت ألمانيا مؤقتًا في عدد الطلبات الجديدة. كما أنها ثاني دولة في الاتحاد من حيث عدد الأشخاص الذين حصلوا على حماية في 2024، بواقع 65,230 حالة. والأهم أن بعض الجنسيات، مثل الكونغوليين والغينيين والهايتيين، تتجه إلى فرنسا أكثر من غيرها، ما يدل على أن البلد ما زال يُنظر إليه كمسار واقعي لملفات معينة.
ميزة فرنسا أنها ليست دائمًا في الخطاب السياسي الشعبي العربي بنفس وهج ألمانيا، لكنها عمليًا تظل من أهم الدول الواقعية لطلب اللجوء، خصوصًا لمن لديه سردية متماسكة وملف قانوني جيد. عيبها الأساسي أن الإجراءات قد تكون مرهقة، وأن الحياة أثناء الانتظار ليست سهلة، لكن من ناحية “الفرصة الواقعية” فهي ما زالت ضمن الصف الأول أوروبيًا.
الخلاصة عن فرنسا:
ليست الأسهل، لكنها من أكثر الدول الأوروبية التي ما زالت تمنح حماية بأرقام كبيرة وتبقى خيارًا جديًا.
3) إسبانيا: قوية في بعض الملفات، لكن ليست الأفضل لكل العرب
إسبانيا كانت ثالث دولة من حيث عدد الحمايات الممنوحة في 2024 بواقع 50,915 حالة، واستقبلت 143 ألف طلب في 2025. لكنها حالة خاصة؛ لأن جزءًا كبيرًا من منح الحماية فيها يتركز في جنسيات محددة جدًا، وأبرز مثال على ذلك أن 94.5% من الفنزويليين الذين حصلوا على حماية في القرارات الابتدائية سنة 2024 كان ذلك في إسبانيا. هذا يعني أن قوة إسبانيا لا تُقرأ بالطريقة نفسها لكل الجنسيات.
بالنسبة للعرب، إسبانيا قد تكون خيارًا واقعيًا لبعض الملفات، لكنها ليست “الدولة السحرية” التي يروّج لها البعض. نجاح الملف فيها يعتمد أكثر من غيرها على طبيعة الجنسية والوقائع الشخصية، لا على سمعة البلد فقط. كما أن تراكم الملفات والضغط الإداري يبقيان عاملين مهمين في التقييم.
الخلاصة عن إسبانيا:
فرصها حقيقية، لكن قوتها ليست متساوية لكل الجنسيات العربية، ولذلك لا ينبغي اعتبارها أفضل خيار بشكل عام.
4) اليونان: أرقام إيجابية في بعض المؤشرات، لكن الواقع المعيشي والإجرائي أصعب
اليونان تظل بلدًا مهمًا جدًا في ملف اللجوء، سواء بسبب موقعها الجغرافي أو بسبب حجم الطلبات. وفي 2024 كانت من الدول التي سجلت نسبة مرتفعة من القرارات الإيجابية في الدرجة الأولى وفق يوروستات، ضمن مجموعة دول تراوحت فيها النسبة بين 70% و90%. كما أن الفلسطينيين مثلًا كانوا يتجهون بأعداد كبيرة إلى اليونان في السنوات الأخيرة.
لكن من الخطأ اختزال الصورة في “نسبة قبول مرتفعة”. اليونان أيضًا بلد ضغط شديد وحدود حساسة واستقبال معقد نسبيًا، كما أن الحياة فيه خلال انتظار القرار ليست سهلة لكثير من طالبي اللجوء. لهذا فهي قد تكون واقعية لبعض الملفات، لكنها ليست بالضرورة أفضل مكان من حيث الاستقرار أو الاندماج بعد الوصول.
الخلاصة عن اليونان:
قد تمنح فرصة حقيقية لبعض الجنسيات والملفات، لكن من حيث الراحة والاستقرار والإجراءات، تبقى من البيئات الصعبة.
أين تزداد الصعوبة بوضوح؟
1) هولندا: ضغط استقبال حاد وإجراءات تحت الضغط
هولندا ليست خارج المشهد، لكنها في 2026 تبدو أصعب من ناحية الواقع العملي. تقرير رسمي هولندي صدر في فبراير 2026 قال إن نظام الاستقبال ما زال تحت ضغط مستمر، مع وصول إشغال مراكز الاستقبال إلى نحو 97%، بسبب نقص الأماكن وطول الإجراءات وبقاء أشخاص حاصلين على الحماية داخل مراكز الاستقبال لعدم توافر السكن. هذا لا يعني أن اللجوء مستحيل فيها، لكنه يعني أن البيئة أقل استقرارًا وأكثر ضغطًا من الصورة المثالية التي يتخيلها البعض.
الخلاصة عن هولندا:
ليست مستحيلة، لكنها حاليًا من الدول التي تعاني من اختناق واضح في الاستقبال، وهذا ينعكس على تجربة طالب اللجوء.
2) السويد: القواعد أصبحت أكثر انضباطًا وأقل مرونة
السويد ما زالت تستقبل طلبات لجوء، لكن التعديلات الأخيرة تشير إلى بيئة أكثر تنظيمًا وتشددًا من السابق. منذ 1 سبتمبر 2025، أصبح الأصل أن يعيش طالب اللجوء في السكن الذي تخصصه له وكالة الهجرة السويدية إذا أراد الاحتفاظ بالمساعدة اليومية وبعض المنح، بدل ترك حرية السكن الذاتي كما كان شائعًا أكثر في مراحل سابقة. كما أن السويد تستعد لتطبيق إجراءات الحزمة الأوروبية الجديدة بما يشمل الفرز والإجراءات الحدودية بشكل أوضح.
الخلاصة عن السويد:
ما زالت قانونية وممكنة، لكن من يظن أنها ما زالت “مرنة” كما في الصورة القديمة فهو يقرأ السويد القديمة لا السويد الحالية.
3) النمسا وبعض الدول التي تشدد الخطاب والفرز
النمسا ظهرت في بيانات يوروستات ضمن الدول ذات نسب مرتفعة من القرارات الإيجابية في الدرجة الأولى عام 2024، لكن هذا لا يكفي وحده لاعتبارها “أفضل دولة”. فعندما تبدأ أوروبا في 2026 بتطبيق قائمة الدول الآمنة والإجراءات الأسرع على الحدود، ستصبح الكثير من الدول، ومنها تلك التي تتبنى خطابًا سياسيًا متشددًا، أكثر ميلًا للفرز السريع والرفض الإجرائي في بعض الملفات. لذلك، قراءة الأرقام وحدها دون قراءة السياق السياسي قد تكون مضللة.
ماذا عن السوريين والعرب تحديدًا؟
بالنسبة للسوريين، كانت نسبة الاعتراف في الاتحاد الأوروبي مرتفعة جدًا في 2024؛ إذ بلغت 91.5% في القرارات الابتدائية ضمن أكبر الجنسيات المتلقية للقرارات، وكانت ألمانيا واليونان والنمسا من بين الدول التي ظهرت لديها معدلات مرتفعة في هذا السياق. لكن في النصف الأول من 2025 انخفض المعدل الإجمالي للاعتراف داخل الاتحاد الأوروبي إلى 25% على مستوى جميع الجنسيات، ويرجع جزء من ذلك إلى تعليق أو إبطاء معالجة كثير من ملفات السوريين مؤقتًا في عدة دول بانتظار وضوح أكبر بشأن الوضع في سوريا. هذا يعني أن الصورة السورية ما زالت أقوى من كثير من الجنسيات، لكنها لم تعد بالبساطة التي يتخيلها البعض.
أما بالنسبة للأفغان، فالوضع ما زال قويًا نسبيًا على مستوى الاتحاد الأوروبي، لكن مع اختلاف كبير بين الدول. ففي النصف الأول من 2025 بلغ معدل الاعتراف على مستوى الاتحاد 56% للأفغان، بينما كانت ألمانيا، رغم أنها أكبر دولة معالجة لهذه الملفات، عند 33% فقط في هذا المؤشر. هذه نقطة مهمة جدًا: الدولة المشهورة ليست دائمًا الأعلى قبولًا لكل جنسية.
أما لبعض الجنسيات العربية الأخرى، فالصعوبة مرشحة للزيادة إذا كانت الجنسية من الدول التي دخلت القائمة الأوروبية المشتركة للدول الآمنة، مثل مصر والمغرب وتونس. هذا لا يعني استحالة اللجوء نهائيًا، لأن كل ملف يجب أن يُفحص فرديًا، لكنه يعني أن الافتراض الأولي صار أصعب، وأن كثيرًا من الطلبات قد تُفحص بسرعة أكبر أو يُتعامل معها بتشدد أعلى.
إذن ما هي “أفضل” الدول بشكل واقعي في 2026؟
إذا تكلمنا بواقعية، فالتصنيف ليس واحدًا للجميع، لكن يمكن ترتيب المشهد هكذا:
الأكثر واقعية من حيث الحجم وإمكانية الحماية:
ألمانيا، فرنسا، ثم بدرجة مختلفة إسبانيا واليونان. هذه الدول ما زالت تحمل الثقل الحقيقي لملف اللجوء الأوروبي، سواء في عدد الطلبات أو عدد الحمايات الممنوحة.
الأصعب من حيث الواقع العملي أو التشدد أو ضغط الاستقبال:
هولندا، السويد، وبعض الدول التي تتبنى أكثر فأكثر أدوات “الدولة الآمنة” والفرز السريع.
الأهم من اسم الدولة:
الجنسية، وقوة الملف، والأدلة، وهل هناك بصمة أو طلب سابق، وهل تنتمي إلى جنسية تُعامل اليوم على أنها “منخفضة الاعتراف” أو من دولة مصنفة آمنة.
الخلاصة
أفضل دولة لطلب اللجوء في أوروبا سنة 2026 ليست الدولة التي يسمع الناس اسمها أكثر، بل الدولة التي تتوافق فيها جنسيتك وملفك مع واقع القبول الحالي.
ألمانيا وفرنسا ما زالتا في مقدمة الدول الواقعية. إسبانيا قد تكون قوية لبعض الملفات لكنها ليست مثالية للجميع. اليونان تمنح فرصة في بعض الحالات لكن بيئتها صعبة. هولندا والسويد تبدوان اليوم أكثر صعوبة من الصورة القديمة المنتشرة بين الناس. وفوق هذا كله، يبدأ الاتحاد الأوروبي من 12 يونيو 2026 مرحلة جديدة ستجعل الإجراءات أكثر توحيدًا وأسرع في بعض حالات الرفض، خصوصًا مع توسيع مفهوم الدول الآمنة.

اترك تعليقك اذا كان لديك اي اسئلة ؟